الفيض الكاشاني
217
الأصول الأصيلة ( طبع كنگره فيض )
فهم يهدمون الشريعة ، ويوهمون من لا يعلم أنّهم ينصرونها ، وبهذه الأسباب تحزّب الأمّة ، وتقع العداوة بينهم ، ويتأدّى إلي الفتن والحروب ، ويستحلّ بعضهم دماء بعض . فإن امتنع بعض من يعرف الحقّ من العلماء ، وخاطب بعض رؤسائهم في ذلك ، وخوّفه بالله تعالي وأرهبه بعذابه ، وعدّل إلي العوامّ ، وقال لهم هذا القول ، وأغري العوامّ به ، ونسب إليه من القول ما لم يأت به شريعة ولا يقوله عاقل ، ولا يتمكّن ذلك العالم من أن يبيّن للعوامّ كيف جري الأمر في الشريعة ، ويوقظهم عمّا هم فيه ، لألفهم بما قد نشأوا عليه خلفاً عن خلف . وإذا رأي رؤساؤهم ذلك ، وأنّ قلوب العلماء مشمأزّة من العوامّ ، جعلوا ذلك شرفاً لهم عندهم ، وأوهموهم أنّ ذلك انقطاع منهم عن القيام بالجواب ، وإنّما سكوتهم وتخفّيهم لباطل يمنعهم ، وأنّ الحقّ هو ما أجمعنا عليه نحن . فلا يزال ذلك دأبهم والرؤساء لهم يتزايدون في كلّ يوم ، واختلافاتهم تزيد ، واحتجاجاتهم ومناظراتهم وجدلهم تكثر ، حتّي حجروا أحكام الشريعة ، وغيّروا كتاب الله بتفسيرهم له بخلاف ما هو عليه ، كما قال سبحانه : « يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ » ( « 1 » ) ، وفى أصل أمرهم قد حزّبوا الأمّة من حيث لا يشعرون ، وتأوّلوا أخبار الرسول ( ص ) بتأويلات اخترعوها من تلقاء أنفسهم ما أنزل الله بها من سلطان ، وقلّبوا المعاني وحملوها علي ما يريدون ممّا يقوّى رئاستهم ، وتفسيق أهل العلم دأبهم عند العوامّ ، يتوارث ابن عن أب وخلف عن سلف إلي أن يشاء الله إهلاكهم . ولم يزل هؤلاء الّذين هم علماء العوامّ أعداء الحقّ في كلّ أمّة وقرن ، فكم من نبي قتلوه ، ووصى جحدوه ، وعالم شردوه ، هم بأفعالهم هذه يكونون أسباباً في نسخ الشرائع
--> ( 1 ) . النساء : 46 .